السيد محمد باقر الصدر

37

دروس في علم الأصول

في سعة هذه الدائرة فواضح ، واما على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فلان العلم الاجمالي يستبطن انكشافا تفصيليا تاما للجامع بين التكليفين فيخرج هذا الجامع عن دائرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان . واما الأمر الثاني فقد ذكر المشهور ان الترخيص الشرعي في المخالفة القطعية للعلم الاجمالي غير معقول ، لأنها معصية قبيحة بحكم العقل ، فالترخيص فيها يناقض حكم العقل ، ويكون ترخيصا في القبيح وهو محال . وهذا البيان غير متجه ، لأننا عرفنا سابقا ان مرد حكم العقل بقبح المعصية ووجوب الامتثال إلى حكمه بحق الطاعة للمولى ، وهذا حكم معلق على عدم ورود الترخيص الجاد من المولى في المخالفة ، فإذا جاء الترخيص ارتفع موضوع الحكم العقلي فلا تكون المخالفة القطعية قبيحة عقلا . وعلى هذا فالبحث ينبغي ان ينصب على أنه : هل يعقل ورود الترخيص الجاد من قبل المولى على نحو يلائم مع ثبوت الأحكام الواقعية ؟ والجواب انه معقول ، لان الجامع وان كان معلوما ، ولكن إذا افترضنا ان الملاكات الاقتضائية للإباحة كانت بدرجة من الأهمية تستدعي لضمان الحفاظ عليها الترخيص حتى في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال ، فمن المعقول ان يصدر من المولى هذا الترخيص ، ويكون ترخيصا ظاهريا بروحه وجوهره ، لأنه ليس حكما حقيقيا ناشئا من مبادئ في متعلقه ، بل خطابا طريقيا من أجل ضمان الحفاظ على الملاكات الاقتضائية للإباحة الواقعية ، وعلى هذا الأساس لا يحصل تناف بينه وبين التكليف المعلوم بالاجمال . إذ ليس له مبادئ خاصة به في مقابل مبادئ الأحكام الواقعية ليكون منافيا للتكليف المعلوم بالاجمال . فان قيل ما الفرق بين العلم الاجمالي والعلم التفصيلي إذ تقدم ان الترخيص الطريقي في مخالفة التكليف المعلوم تفصيلا مستحيل ، وليس العلم الاجمالي الا علما تفصيليا بالجامع ؟